عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

525

اللباب في علوم الكتاب

فلمّا هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثمّ أذن له في قتال المشركين عامّة ، ثم فرض اللّه الجهاد . واختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فقال عطاء : الجهاد تطوع والمراد بهذه الآية أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الوقت دون غيرهم « 1 » ، وإليه ذهب الثّوريّ « 2 » ، واحتجوا بقوله تعالى : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ النساء : 95 ] ولو كان القاعد تاركا للفرض ، لم يكن يعده الحسنى . قالوا : وقوله : « كتب » يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرّة واحدة . وقوله : « عليكم » يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت ، وإنما قلنا إنّ قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ؛ بدليل منفصل ، وهو الإجماع ، وذلك غير معقول هاهنا ؛ فوجب أن يبقى على الأصل ، ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ التوبة : 122 ] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات « 3 » ، إلّا أن يدخل المشركون ديار المسلمين ؛ فيتعيّن الجهاد حينئذ على الكلّ . وقال آخرون : هو فرض عين ؛ واحتجّوا بقوله : « كتب » وهو يقتضي الوجوب ، وقوله « عليكم » يقتضيه أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله « عليكم » لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد ؛ كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] . وقال الجمهور : هو فرض على الكفاية . فإن قيل هذا الخطاب للمؤمنين ، فكيف قال : « وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ » ، وهذا يشعر بكون

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 295 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 438 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 188 . ( 3 ) فرض الكفاية : هو الفعل الذي طلب الشارع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله ومعناه : أن فرض الكفاية هو الفعل المطلوب حصوله في الجملة أي : من غير نظر بالأصالة إلى الفاعل ، وإنما المنظور إليه أولا وبالذات إنما هو الفعل ، أما الفاعل فلا ينظر إليه إلا تبعا للفعل ؛ ضرورة توقف حصوله على فاعل ؛ ولذا كان فعل البعض كافيا في تحصيل المقصود منه ، والخروج عن عهدته ، ومن هنا سمي فرض كفاية . وقد اختلف العلماء فيمن يتعلق به التكليف بفرض الكفاية على مذهبين : أحدهما : أنه واجب على بعض المخاطبين بطلبه ، وهو مقتضى كلام الإمام في المحصول ، واختاره البيضاوي . ثانيهما : أنه واجب على الكل ولكن يسقط بفعل البعض وهو مقتضى كلام الآمدي ، واختاره ابن الحاجب وجمهور العلماء . ينظر : مذكرة الحسيني الشيخ ص 74 .